ابو القاسم عبد الكريم القشيري
519
لطائف الإشارات
ويقال فظنّ أن لن نقدر عليه من حبسه في بطن الحوت . وخرج من بين قومه لمّا أخبر بأنّ اللّه يعذّب قومه ، وخرج بأهله . ويقال إن السبع افترس أهله في الطريق ، وأخذ النّمر ابنا صغيرا له كان معه ، وجاء موج البحر فأغرق ابنه الآخر ، وركب السفينة ، واضطرب البحر ، وتلاطمت أمواجه ، وأشرفت السفينة على الغرق ، وأخذ الناس في إلقاء الأمتعة في البحر تخفيفا عن السفينة ، وطلبا لسلامتها من الغرق ، فقال لهم يونس : لا تلقوا أمتعتكم في البحر بل اطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا . فنظروا إليه وقالوا : نرى عليك سيماء الصلاح ، وليست تسمح نفوسنا بإلقائك في البحر ، فقال تعالى مخبرا عنه : « فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ » « 1 » أي فقارعهم ، فاستهموا ، فوقعت القرعة عليه . وفي القصة أنه أتى حرف السفينة ، وكان الحوت فاغزا فاه ، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك ، حتى جاز كل جانب . ثم لمّا علم أنه مراد بالبلاء ألقى نفسه في الماء فابتلعه الحوت « وَهُوَ مُلِيمٌ » * : أي أتى بما يلام عليه ، قال تعالى : « فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ » « 2 » . وأوحى اللّه إلى السمك : لا تخدش منه لحما ولا تكسر منه عظما ، فهو وديعة عندك وليس بطعمة لك . فبقى في بطنه - كما في القصة - أربعين يوما . وقيل إن السمك الذي ابتلعه أمر بأن يطوف في البحر ، ( وخلق اللّه له إدراك ما في البحر ) « 3 » ، وكان ينظر إلى ذلك . ويقال إن يونس عليه السلام صحب الحوت أياما قلائل فإلى القيامة يقال له : ذا النون ، ولم تبطل عنه هذه النسبة . . فما ظنّك بعبد عبده - سبحانه - سبعين سنة ، ولازم قلبه محبته ومعرفته طول عمره . . ترى أيبطل هذا ؟ لا يظنّ بكرمه ذلك ! « فَنادى فِي الظُّلُماتِ . . . » يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت - هذا بيان
--> ( 1 ) آية 141 سورة الصافات ( 2 ) آية 142 سورة الصافات ( 3 ) موجودة في م ومفقودة في ص